معضلة الهيمنة الغربية على الوطن العربي ونذر تقسيمه من جديد

ناصر دمج

 http://www.darbabl.net/

يمكن إعتبار تقرير دولة الفاتيكان عن حالة الشرق الأوسط والصادر في خريف العام 2010م مدخلاً مناسباً للحديث عن دور إسرائيل كمتسبب رئيس لديمومة مشكلاته ومشكلات العالمين العربي والإسلامي وأعتبر التقرير المشار إليه « إن إسرائيل هي الباعث المستمر لتعثر الحلول السياسية وإندلاع الحروب المتتالية فيه »،

فبسبب الحركة الصهيونية تم احتلال فلسطين في العام 1917م وبسببها قسمت المنطقة العربية وفقاً لما أتفق عليه في تشرين ثاني 1915م الدبلوماسيان الفرنسي فرانسوا جورج بيكو والبريطاني مارك سايكس، وهو ما عرف لاحقاً باتفاقية سايكس بيكو التي قسمت المشرق العربي إلى عدة أقسام وهيئت فيه الظروف الجيوسياسية لميلاد دولة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.

وكان ذلك التفاهم البريطاني الفرنسي بمثابة نصر مفصلي للحركة الصهيونية التي خططت منذ نشأتها للسيطرة على المنطقة العربية الواقعة بين نهري النيل والفرات، وهو الهدف الجوهري للصهيونية كأيديولوجية وإسرائيل ككيان، وبعد الإعلان عن قيام إسرائيل لم تتوقف الصهيونية عن تطلعاتها لمواصلة تقسيم المنطقة العربية كمدخل للهيمنة التامة عليها، لأن بن غريون قال بعيد الإعلان عن قيام إسرائيل بوقت قصير أمام مجموعة من السياسيين الأمريكيين اليهود « ليست العبرة في قيام إسرائيل، بل بالحفاظ على وجودها وبقائها وهذا لن يتحقق إلا بتفتيت سوريا ومصر والعراق ».

وما زال هذا الهدف الركن الرئيس لسياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وحلفائها في العالم، وعندما تأكدت إسرائيل من إن ذلك لن يتحقق لها من خلال القوة العسكرية المباشرة فقط أضافت إلى وسائل إنفاذه (خيار السلام) وتأسست في إسرائيل من أجل هذه الغاية في عام 1968م جمعية عرفت بأسم (من أجل السلام في الشرق الأوسط) مهمتها وضع مخطط لفرض هيمنة إسرائيل الاقتصادية على الوطن العربي وأنشأ المليونير اليهودي داني روتشيلد في العام 1969م معهداً في سويسرا أطلق عليه اسم (من أجل السلام في الشرق الأوسط) جعل مهمته الأساسية دراسة إحتمالات التعاون الاقتصادي بين دوله بما فيها إسرائيل، بعد تسوية الصراع العربي الإسرائيلي والبحث عن وسائل ناجعة لإقامة علاقات تجارية بين إسرائيل والبلدان العربية.

ونظمت إسرائيل ثلاثة مؤتمرات للرأسماليين اليهود في العالم لوضع المخططات لإستغلال ثروات الأراضي العربية المحتلة بعد العام 1967م وأحكام سيطرتها الاقتصادية عليها، وتضمن المخطط الذي وضعته تخصيص 10% من عائدات النفط للمشاريع الإقليمية المشتركة، وتحديد الصناعات التي ينتجها كل بلد عربي، كما خططت لإنشاء سوق شرق أوسطية مشتركة على غرار السوق الأوروبية المشتركة.

إلى ذلك طرح حزب العمل الإسرائيلي إقامة إتحاد إسرائيلي فلسطيني أردني، على غرار إتحاد البنيلوكس وهو إتحاد اقتصادي أسسته بلجيكيا وهولندا ولوكسمبورغ عام 1948م واشتقت تسميته من المقاطع الأولى لأسماء الدول المؤسسة باللاتينية، وكان الهدف منه وضع سياسة موحدة للتجارة البينية والخارجية للدول المؤسسة وسمح ذاك الإتحاد بإنسياب السلع والأيدي العاملة والخدمات ورأس المال فيما بينها، وشكلت تلك الدول إتحاداً جمركياً ووضعت تعرفه جمركية خارجية موحدة.

وتتناول المخططات الإسرائيلية كافة المجالات بدءً من التجارة والمواصلات والطاقة والمياه ومروراً بالزراعة وصولاً إلى السياحة والسيطرة الفعلية على الأراضي ومقدراتها الطبيعية، ولا تستثني تلك المخططات أية دولة في الوطن العربي.‏

ومن أجل ذلك وضع (جاد يعقوبي) وزير المواصلات في حكومة رابين في نهاية 1975م مخططاً سرياً للتعاون الإقليمي في مجال المواصلات بين إسرائيل والأردن ومصر ويشير المخطط إلى أن التعاون الإقليمي في مجال المواصلات في المنطقة هو أمر ضروري للطرفين ويتضمن التعاون بين مطاري إيلات والعقبة، وإقامة مطار جديد مشترك بين إسرائيل والأردن، وربط الأردن بميناء حيفا بواسطة سكة حديد الغور وتطوير شبكة خطوط حديدية بين إسرائيل والدول العربية المجاورة وتحويل إسرائيل في نطاق التعاون الإقليمي إلى جسر برى بين مصر ولبنان.‏

ووضع (يعقوب ميريدور) وزير الاقتصاد في حكومة مناحيم بيغن بعد شهر واحد من زيارة الرئيس السادات للقدس عام 1977م مشروعاً للتعاون الاقتصادي في الشرق الأوسط وتوطين اللاجئين الفلسطينيين في البلدان العربية.‏

واقترح (شمعون بيرس) في نيسان 1986م النسخة الأولى من مشروعه (الشرق الأوسط الجديد) خلال زيارته للولايات المتحدة والذي دعى فيه إلى تخصيص موازنات مالية ضخمة تضاهي موازنات (مشروع مارشال) الأمريكي والذي خصص لدعم عمليات إعمار دول أوروبا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، على أن يدعم المشروع الجديد وفقاً لشمعون بيرس دول الشرق الأوسط بما يكفل إندماج إسرائيل في المنطقة والهيمنة عليها وحل الأزمات الاقتصادية المزمنة فيها ووعدت الإدارة الأمريكية بدراسة إقتراحات شمعون بيرس بعناية مع حلفائها.‏

وتعتمد رؤية بيرس على توظيف النفط السعودي والأيدي العاملة المصرية والمياه التركية والعقول الإسرائيلية ضمن معادلة اقتصادية تتحكم بها إسرائيل بما يكفل لها التحول إلى قوة عظمى وتعزيز الهيمنة الأمريكية على المنطقة العربية، وجاء في المخطط الذي وضعه صندوق (أرمندهامر) في جامعة تل أبيب، في كانون الأول عام 1986م حول مشاريع التعاون الاقتصادي الإقليمي مايلي:-‏

« عندما تعاود عملية السلام مسيرتها، ينبغي إعطاء القضايا الاقتصادية الأولوية، فالعلاقات الاقتصادية هي التي تصنع المضمون الصلب للسلام وتضمن إستقراره، والمشاريع الاقتصادية المشتركة، تشجع السلام لأنها تشكل في حد ذاتها أداة تفاوضية مؤثرة في الضغط نحو السلام وتقود إلى ترسيخ السلام وحمايته ».‏

وطرح بيرس طبعته الثانية من مشروع (الشرق الأوسط الجديد) في تشرين الثاني 1992م أمام المعهد القومي لدراسات الشرق الأوسط في القاهرة. وطالب العرب بنسيان الماضي والتركيز على المفاوضات ووضع حد للنزاع لبناء الشرق الأوسط الجديد.‏

وطرح (يائير هيرشفيلد) المفاوض الإسرائيلي المعروف موقف حزب العمل الإسرائيلي أثناء اجتماع لجنة التنمية المنبثقة عن المفاوضات المتعددة الأطراف في بروكسل في أيار 1992م، وشملت مقترحاته المشاركة في توظيف الموارد الطبيعية والبشرية وتوسيع أسواق المنطقة، وجذب الاستثمارات من الدول الأجنبية ودول النفط العربية ومؤسسات التمويل الدولية وإقامة صندوق إقليمي للتنمية.‏

ونشر بيرس طبعته الثالثة والأخيرة من مشروع (الشرق الأوسط الجديد) في كتابه الذي صدر عام 1993م منطلقاً فيه من فكرة « أن التعاون مع العرب قائم، وإن إسرائيل ستقوم بدور المركز والقائد والقوة الأساسية لتحويل النظام الإقليمي الجديد إلى قوة عظمى على غرار الاتحاد الأوروبي وبالتعاون والتنسيق معه ».

وطرح بديلاً لاقتصاد المنطقة القائم على أساس الأرض والنفط والقومية، ووصفه بأنه عصري يعتمد على العلم والتقنية والتعاون الإقليمي وجاء في الكتاب أن « هدفنا النهائي هو خلق أسرة إقليمية من الأمم، ذات سوق مشتركة، وهيئات مركزية مختارة على غرار الجماعة الأوروبية ».‏

وحدد بيرس معالم السلام القادم على أنه « أولاً وقبل كل شيء هندسة معمارية ضخمة، هندسة تاريخية لبناء شرق أوسط جديد متحرر من صراعات الماضي، ويعترف بأن فكرة السوق الشرق أوسطية حلم إسرائيل ويرى أن فتح الحدود والتجارة وخفض النفقات الدفاعية وإقامة نظام إقليمي للمياه وإعادة الحياة لسكة حديد الحجاز وإنشاء طرق سريعة وموانئ موسعة جديدة وقناة تربط البحر الأحمر بالبحر الميت كفيلة بتعزيز النظام الإقليمي الجديد الذي يكفل حل مشاكل إسرائيل ».

يعني ذلك إن بناء الشرق الأوسط الجديد لا يقوم على أساس التكافؤ والمنفعة المتبادلة وإنما على أساس حل أزمات إسرائيل الاقتصادية دون الأخذ بعين الاعتبار مصالح الدول العربية في ظل تفوق إسرائيل العسكري على جميع الدول العربية وإمتلاكها للسلاح النووي، والعمل بمساعدة الولايات المتحدة والدول الأوروبية على إضعاف الدول العربية عسكرياً. بما يتيح لإسرائيل أن تصبح قوة عظمى في المنطقة.

وطرح الكاتب الإسرائيلي (جاي بيخور) على مؤتمر هرتسيليا المنعقد في عام 2006م أفكار جديدة لكنها تطويرية ومكملة لأفكار بنغريون حول العراق وسوريا ومصر، ودعا بيخور في ورقته إلى ضرورة تجديد الشرق الأوسط القديم وإحداث تغيير جوهري في مبناه وحدود دوله و وصفه بأنه « توجد فيه دولة ذات نظام مجنون تتسلح بسلاح ذري وتسلح رفيقاتها والعراق غارق في حرب أهلية، ومنظمات راديكالية تسيطر علي حكومات ونظم حكم، وهذه بدورها تمنح جماعات مخربين مسلحة دعماً قوياً وعلاقة متسامحة.

لذا من الضروري العمل على تقسيم العراق إلى ثلاث دول الأولى شيعية في الجنوب والثانية سنية في الوسط والأنبار والثالثة كردية في الشمال، وتقسيم سوريا إلى أربع دول الأولى سنية في منطقة حلب والثانية علوية على الساحل والثالثة كرديه في الشرق والرابعة درزية في الجنوب الغربي وهضبة الجولان، وتقسيم مصر إلى ثلاث دول الأولى قبطية في المنطقة الغربية حتى الساحل الشمالي والثانية نوبية مع إضافة أجزاء من شمال السودان إليها والثالثة إسلامية في المنطقة الشرقية وسيناء، وإخضاع إيران لنظام عقوبات دولي يتكفل بإضعافها وإنهائها. (المصدر- جاي بخور/ يديعوت أحرونوت/ صفحة رقم 15 بتاريخ 27-7-2006)

ويتابع جاي بيخور حديثه « لأن هذه الدول لم تنجح هذه الدول في منح مواطنيها حياة ثقافية كاملة، ومعظم شعوبها فقيرة، وهي دول تتسم كلها بالطغيان ولا تُنطق كلمة الديمقراطية ولو في دولة واحدة، وإذا ما تمت محاولة ديمقراطية في بعضها، فإن النتيجة تكون تولي نظم إرهابية إسلامية أو فوضى ».

وفي معرض تعليقه على مقترحات جاي بيخور قال د. عبد الوهاب المسيري « إن مخطط جاى بخور وكل المخططات الأخرى المماثلة نابعة من غطرسة القوة، حين يتصور إنسان أنه يمكنه أن يفعل ما يشاء طالما أن موازين القوى في صالحه، وطالما أن استعداداته العسكرية تفوق استعدادات الخصم، وطالما أن التاريخ قد توقف ». (المصدر- موقع الدكتور عبد الوهاب المسيري/ من مقالة الشرق الأوسط الجديد في التصور الأمريكي الصهيوني بتاريخ 13-5-2008م)

ناصر دمج

2013-03-28

 جميع حقوق النشر محفوظة باسم – دار بابل للدراسات والاعلام ©

12 Réponses à “معضلة الهيمنة الغربية على الوطن العربي ونذر تقسيمه من جديد”

  1. Chastity dit :

    My spouse and I stumbled over here different page and thought I
    might check things out. I like what I see so now i am following
    you. Look forward to finding out about your web page repeatedly.

    Feel free to surf to my site minecraft games

  2. Chastity dit :

    I do not know if it’s just me or if perhaps everybody else encountering issues with your
    blog. It appears as if some of the text within your posts are
    running off the screen. Can someone else please provide feedback and let me know if this is
    happening to them as well? This may be a problem with my browser
    because I’ve had this happen previously. Thanks

    Here is my web page :: descargar facebook

  3. Rick dit :

    You could certainly see your skills within the work you write.
    The sector hopes for more passionate writers such as you who are not afraid
    to mention how they believe. All the time go after your heart.

    My web site … plenty of fish dating site

  4. Terrell dit :

    Why people still make use of how to get help in windows 10 read news papers when in this
    technological globe the whole thing is existing on web?

  5. Lesli dit :

    Pretty nice post. I simply stumbled upon your blog and wished to say
    that I have really enjoyed surfing around your weblog posts.
    In any case I will be subscribing to your feed and
    I’m hoping you write once more very soon!

    my web-site quest bars

  6. Ruthie dit :

    Hey there! I’m at work surfing around your blog from my new iphone!
    Just wanted to say I love reading through your blog and look forward to all your posts!
    Carry on the superb work!

    Feel free to visit my blog :: plenty of fish dating site

  7. Tegan dit :

    It’s amazing in support of me to have a web site, which is good in favor of my
    knowledge. thanks admin

    Also visit my site … gamefly free trial

  8. Angela dit :

    This article is really a fastidious one it helps new web
    viewers, who are wishing in favor of blogging.

    My web site: gamefly free trial

  9. Ines dit :

    Thanks for ones marvelous posting! I actually enjoyed reading it, you can be a great
    author. I will make sure to bookmark your blog and will
    often come back in the future. I want to encourage you to continue your great writing,
    have a nice morning!

    my site gamefly free trial

  10. Mariana dit :

    I couldn’t refrain from commenting. Very well written!

    my site :: gamefly free trial

  11. Carlo dit :

    Hi Dear, are you genuinely visiting this site regularly,
    if so then you will definitely get pleasant know-how.

    Here is my blog: gamefly free trial

  12. Shelley dit :

    I am now not certain the place you’re getting your information, however great topic.
    I needs to spend some time learning much more or understanding more.

    Thank you for wonderful information I was looking for this information for my mission.

    My webpage – g

Laisser un commentaire

Fixutota |
Dictavsdemo |
Davidognw |
Unblog.fr | Créer un blog | Annuaire | Signaler un abus | Destbustestmang
| Igtenverssteel
| Gorkeroutu