هدية ترمب للصين

Joschka Fischer

JOSCHKA FISCHER

يوشكا فيشر وزير الخارجية الألماني ونائب مستشارها في الفترة من 1998-2005،لعب دورا رئيسيا في تأسيس حزب الخضر في ألمانيا و قاده ما يقرب من عقدين من الزمن 

Project syndicate بروجكت سانديكيت  

 جوان 22 2018

برلين ــ بات من الواضح الآن أن القرن الحادي والعشرين يؤذن بقدوم نظام عالمي جديد. ومع انتشار حالة عدم اليقين وانعدام الاستقرار المرتبطة بهذه العملية في مختلف أنحاء العالم، كانت استجابة الغرب إما الرهبة والارتباك أو الحنين إلى الأشكال الأقدم من القومية والتي فشلت في الماضي ولن تنجح الآن بكل تأكيد.

حتى من منظور أشد المتفائلين رسوخا، كانت قمة مجموعة الدول السبع التي استضافتها كيبيك في وقت سابق من هذا الشهر دليلا على أن الغرب الجيوسياسي ينفطر ويتفكك ويفقد أهميته العالمية، وأن المدمر الأعظم لهذا النظام الذي أنشأه أميركيون وقاده أميركيون ليس سوى رئيس الولايات المتحدة. لا شك أن دونالد ترمب أحد أعراض تفكك الغرب وليس سببا له. لكنه يعمل على التعجيل بهذه العملية بشكل درامي.

تمتد جذور الوعكة الغربية إلى نهاية الحرب الباردة، عندما استسلم النظام العالمي الثنائي القطبية للعولمة الاقتصادية، مما سمح بظهور قوى جديدة مثل الصين. وفي العقود التالية، يبدو أن أميركا أصبحت تنظر إلى تحالفاتها القديمة على أنها عبء أكثر من كونها أصلا قيما.

ولا ينطبق هذا على أوروبا، واليابان، وكوريا الجنوبية فحسب، بل وأيضا على جارتي أميركا، كندا والمكسيك. فبسبب القرار الذي اتخذه ترمب بفرض رسوم جمركية على الواردات من الصلب والألومنيوم، نشأ انقسام عميق بين الولايات المتحدة وكندا في قمة كيبيك، ومن المؤكد أن انقسامهما حول التجارة ستترتب عليه عواقب سياسية أوسع.

هيمنت أوروبا وشمال الأطلسي على الاقتصاد العالمي لأربعة قرون. لكن هذه لم تعد الحال الآن. والواقع أن جغرافية القوة الجديدة التي ينطوي عليها تحول مركز الثِقَل الاقتصادي العالمي من منطقة الأطلسي نحو منطقة آسيا والمحيط الهادئ لا تتفق مع الخريطة التخيلية للحالة الجيوسياسية في القرن العشرين ــ ناهيك عن القرن التاسع عشر.

ورغم أن الولايات المتحدة لا تزال القوة العظمى الرائدة على مستوى العالَم، فقد برزت الصين بوصفها قوة جيوسياسية جديدة وقديمة. فالصين التي يبلغ عدد سكانها 1.4 مليار نسمة، وتتمتع بسوق محلية ضخمة، تتحدى بالفعل الولايات المتحدة بوصفها زعيمة العالَم اقتصاديا وسياسيا وتكنولوجيا.

وكل من زار أروقة السلطة في بكين يعلم أن قادة الصين لديهم خريطة خاصة للعالَم. وعلى هذه الخريطة تقع الصين ــ « المملكة الوسطى » ــ في المركز، في حين تنسحب أوروبا إلى الجانب الأيسر والولايات المتحدة إلى الجانب الأيمن. بعبارة أخرى، حدث الانقسام بالفعل بين الولايات المتحدة وأوروبا ــ تلك المجموعة المتنوعة من الدول القومية الصغيرة والمتوسطة الحجم ــ وأصبحا على الهامش.

في بداية الأمر، تفاعلت الولايات المتحدة مع التغيرات الجيوسياسية في هذا القرن بشكل حدسي، مع ما أسمي « التمحور باتجاه آسيا ». لكن أميركا كانت حاضرة لفترة طويلة في كل من منطقة الأطلسي ومنطقة الهادئ؛ وباعتبارها القوة العالمية المتبقية الأخيرة، فإنها في وضع يمكنها من توقع التغيرات الجيوسياسية التاريخية على النحو الذي يجعلها قادرة على حماية مصالحها.

من ناحية أخرى، كانت أوروبا تسير نائمة عبر فترة خلو العرش التاريخية اليوم. فقد شغل الأوروبيون أنفسهم إلى حد كبير بالتأمل الباطني، والعداوات القديمة، والأحلام العذبة التي تنتمي إلى القرن التاسع عشر، عندما كانوا يحكمون العالَم. وقد تعززت هذه النظرة الضيقة بفِعل أحداث مثل انتخاب ترمب والاستفتاء لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي في المملكة المتحدة.

ولكن بدلا من الانشغال بسلوك ترمب الغريب، نُحسِن صنعا إذا تذكرنا أن التطورات العالمية اليوم كانت سابقة لرئاسته. فقد افتتح الرئيس الأميركي باراك أوباما « التمحور باتجاه آسيا ». وما كان من ترمب إلا أن استمر على نفس النهج، وكانت آخر خطواته على هذا الطريق الاجتماع بالزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون في سنغافورة.

وبقدر ما تفرض سياسات ترمب مخاطر جسيمة، فإن هذا ليس لأنها تمثل إعادة توجيه للولايات المتحدة استراتيجيا، فقد كانت إعادة التوجيه جارية بالفعل على أية حال، بل لأنها متناقضة ذاتيا ومدمرة بلا داع أو ضرورة. على سبيل المثال، عندما يدعو ترمب إلى خفض التورط العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، فإنه بذلك يردد تصريحات أوباما لا أكثر.

ولكن بالنكوص عن الاتفاق النووي مع إيران، جعل ترمب نشوب الحرب في المنطقة احتمالا أكثر ترجيحا. وعندما بذل قصارى جهده للتخفيف من عزلة كوريا الشمالية الدولية، في حين لم يحصل على أي شيء تقريبا في المقابل، فإنه بذلك عزز موقف الصين في شرق آسيا.

ولم تكن حرب ترمب التجارية أقل تدميرا للذات وإضرارا بالغرض منها. فهو من خلال فرض تعريفات على أقرب حلفاء أميركا يدفعهم عمليا إلى أحضان الصين. فإذا كان المصدرون الأوروبيون واليابانيون يواجهون حواجز الحماية التجارية في الولايات المتحدة، فما هو الخيار الآخر لديهم غير استكشاف السوق الصينية؟ وعلى الرغم من نزعة الرئيس الروسي فلاديمير بوتن العسكرية في شرق أوكرانيا والجهود التي يبذلها للتأثير على نتائج الانتخابات الغربية، فإن أوروبا في غياب دعم شمال الأطلسي تصبح بلا خيار غير التحول باتجاه أوراسيا.

وعلاوة على ذلك، فحتى في غياب سياسات الحماية الأميركية، كانت اليابان لتضطر إلى استيعاب قوة الصين الاقتصادية المتنامية آجلا أو عاجلا. وقد تلاشت آخر فرصة لاحتواء الثِقَل الصيني المتزايد عندما ألغى ترمب الشراكة عبر المحيط الهادئ، والتي كانت لتخلق حصنا من الدول المطلة على المحيط الهادئ بقيادة الولايات المتحدة في مواجهة الصين.

وعلى هذا فإن « التمحور باتجاه آسيا » سوف يفضي إلى نتائج مختلفة للغاية على كل من ضفتي الأطلسي. وفي غياب السياسات المشتركة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي للحفاظ على التماسك عبر الأطلسي، فسرعان ما سيتحول الغرب إلى شيء من الماضي. وعندما تنظر الولايات المتحدة غربا عبر المحيط الهادئ، وتنظر أوروبا شرقا نحو أوراسيا، فإن الفائز الوحيد هو الصين. الخطر الاستراتيجي الحقيقي في عهد ترمب إذن، ليس تغير النظام العالمي فحسب، بل يكمن الخطر الحقيقي في أن سياسات ترمب تضمن « جعل الصين عظيمة مرة أخرى ».

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

https://www.project-syndicate.org

10 Réponses à “هدية ترمب للصين”

  1. Acheter pilules perte de poids en ligne dit :

    Aw, this was a really nice post. In thought I would like to put in writing like this moreover – taking time and precise effort to make an excellent article… but what can I say… I procrastinate alot and under no circumstances seem to get something done.

    https://magnus-shop.com/fr/Acheter-Pilules-de-perte-de-Poids

  2. Acheter Stanozolol dit :

    I have been surfing online more than 3 hours today, yet I never found any interesting article like yours. It’s pretty worth enough for me. In my opinion, if all web owners and bloggers made good content as you did, the net will be much more useful than ever before.

    https://anabolisants.shop/Steroides-Oraux/Stanozolol-Comprimes

  3. Acheter Café minceur dit :

    I think this site contains very fantastic pent subject material blog posts.

    https://health-xl.com/fr/Minceur-Cafe-FR

  4. Acheter Mesterolone dit :

    Thanks, I have just been searching for info approximately this subject for a while and yours is the greatest I have found out till now. However, what in regards to the bottom line? Are you certain about the source?

    https://fortia.org/fr/Mesterolone-Proviron-PCT-France

  5. Acheter Sibutril en Fran#231;ais dit :

    Hi there! This post couldn’t be written any better! Reading through this post reminds me of my previous room mate! He always kept talking about this. I will forward this article to him. Pretty sure he will have a good read. Thank you for sharing!

    https://jetzabnehmen.net/fr/sibutril-15mg-acheter/acheter-sibutril-15mg-30tab-commander-en-ligne.html

  6. Janelle Klohe dit :

    5/27/2019 strategy.unblog.fr does it yet again! Very interesting site and a thought-provoking post. Nice work!

    http://public.sitejot.com/xyboore.html

  7. Jeanie Brigges dit :

    Love the site– extremely easy to navigate and tons of stuff to consider!

    maxiedfouhy33.com

  8. animation grandes illusions mariage macon dit :

    Only wanna admit that this is very useful, Thanks for taking your time to write this.

    http://www.lemagiciendemonmariage.com/grande-illusion.html

  9. furtdso linopv dit :

    An interesting discussion is worth comment. I think that you should write more on this topic, it might not be a taboo subject but generally people are not enough to speak on such topics. To the next. Cheers

    http://www.furtdsolinopv.com/

  10. Sandy Osler dit :

    As the admin of this website is working, no doubt very soon it will be well-known, due to its feature contents.
    Sandy Osler http://www.mipedu.nhc.ac.uk/UserProfile/tabid/106/userId/1843288/Default.aspx

Répondre à Acheter Café minceur

Fixutota |
Dictavsdemo |
Davidognw |
Unblog.fr | Créer un blog | Annuaire | Signaler un abus | Destbustestmang
| Igtenverssteel
| Gorkeroutu